مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح

‮«‬مهند‮»‬‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭.. ‬وتحية‭ ‬لجامعة‭ ‬الأزهر

 

قصة‭ {‬مهند‭} ‬التي‭ ‬استجابت‭ ‬لها‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر،‭ ‬وقررت‭ ‬وضعه‭ ‬تحت‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬الكاملة،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬واقعة‭ ‬إنسانية‭ ‬عابرة،‭ ‬وإنما‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬أمامه‭ ‬طويلًا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬تقديرًا‭ ‬للموقف‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬اتخذته‭ ‬الجامعة،‭ ‬وإنما‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬لسؤال‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تنتشر‭ ‬قصة‭ ‬مهند‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعى؟
مهند،‭ ‬أحد‭ ‬خريجي‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر،‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬بلا‭ ‬مأوى،‭ ‬يفترش‭ ‬أحد‭ ‬الشوارع،‭ ‬ويعانى‭ ‬من‭ ‬كسر‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬ساقه،‭ ‬مصحوب‭ ‬بعدوى‭ ‬والتهاب‭ ‬والأشد‭ ‬ألمًا‭ ‬من‭ ‬إصابته‭ ‬الجسدية‭ ‬كانت‭ ‬حالته‭ ‬النفسية،‭ ‬بعدما‭ ‬وصل‭ ‬به‭ ‬اليأس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬مستنى‭ ‬موتى‭.. ‬الموت‭ ‬مش‭ ‬شر‭.. ‬ده‭ ‬أنا‭ ‬هروح‭ ‬عند‭ ‬الرحيم‮»‬‭.‬
كلمات‭ ‬موجعة‭ ‬تكشف‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬بأنه‭ ‬وحيد،‭ ‬وأن‭ ‬أبواب‭ ‬الحياة‭ ‬أغلقت‭ ‬أمامه‭.‬
لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يستحق‭ ‬التحية‭. ‬فقد‭ ‬تحركت‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر‭ ‬سريعًا،‭ ‬ووجّه‭ ‬الدكتور‭ ‬محمود‭ ‬صديق،‭ ‬رئيس‭ ‬الجامعة،‭ ‬بتوفير‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬الكاملة‭ ‬لمهند،‭ ‬واستقبله‭ ‬مستشفى‭ ‬سيد‭ ‬جلال‭ ‬الجامعي،‭ ‬وأجريت‭ ‬له‭ ‬الفحوصات‭ ‬الطبية،‭ ‬وبدأ‭ ‬العلاج‭ ‬بالمضادات‭ ‬الحيوية،‭ ‬مع‭ ‬الإعداد‭ ‬لعرض‭ ‬حالته‭ ‬على‭ ‬الاجتماع‭ ‬الإكلينيكى‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الجراحي‭ ‬المناسب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بحالته‭ ‬النفسية‭ ‬والإنسانية‭.‬
هذه‭ ‬استجابة‭ ‬تليق‭ ‬برسالة‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجامعة‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬أبنائها‭ ‬باعتبارهم‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬الطلاب‭ ‬والخريجين،‭ ‬وإنما‭ ‬تتعامل‭ ‬معهم‭ ‬باعتبارهم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬رسالتها‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمجتمعية‭.‬
لكن‭ ‬الإشادة‭ ‬بالاستجابة‭ ‬لا‭ ‬تمنعنا‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬الأصعب‭.. ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬دخل‭ ‬مهند‭ ‬المستشفى‭ ‬بمفرده،‭ ‬وماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬شخصا‭ ‬ينقل‭ ‬استغاثته‭ ‬وماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تُلتقط‭ ‬له‭ ‬صورة،‭ ‬ولم‭ ‬تُكتب‭ ‬قصته،‭ ‬ولم‭ ‬تنتشر‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي؟‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬سيحصل‭ ‬على‭ ‬الرعاية‭ ‬نفسها؟‭ ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬قصته‭ ‬ستصل‭ ‬إلى‭ ‬المسئولين‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها؟‭ ‬لا‭ ‬أطرح‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ليست‭ ‬اتهاما‭ ‬لأحد‭ ‬ولا‭ ‬أشكك‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬سيد‭ ‬جلال‭ ‬أو‭ ‬أطبائه‭ ‬أو‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر،‭ ‬وإنما‭ ‬أطرحها‭ ‬باعتبارها‭ ‬أسئلة‭ ‬ضرورية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬العمل،‭ ‬واخص‭ ‬بها‭ ‬وزارة‭ ‬التضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لاكتشاف‭ ‬الحالات‭ ‬الإنسانية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قصص‭ ‬وحكايات‭ ‬تتداولها‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭.‬
فليس‭ ‬كل‭ ‬‮»‬مهند‮«‬‭ ‬يمتلك‭ ‬هاتفًا،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬محتاج‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يستغيث،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬مريض‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يصور‭ ‬معاناته‭ ‬وينشرها‭. ‬هناك‭ ‬أناس‭ ‬يتألمون‭ ‬فى‭ ‬صمت،‭ ‬وهناك‭ ‬مرضى‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬حقوقهم،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬حتى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬المستشفى‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬القضية‭ ‬الحقيقية‭.‬
لا‭ ‬ينبغى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬هي‭ ‬الوسيلة‭ ‬التى‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الرعاية‭ ‬أمام‭ ‬الإنسان‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬قوة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬المشكلات‭ ‬وتحريك‭ ‬المسئولين‭ ‬وتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الحالات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬إيجابي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬لكن‭ ‬الخطورة‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬الانتشار‮»‬‭ ‬شرطًا‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭.‬
ماذا‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬قصصهم‭ ‬إلى‭ ‬الناس؟
وماذا‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬مسن‭ ‬يعيش‭ ‬وحيدًا؟‭ ‬أو‭ ‬شاب‭ ‬فقد‭ ‬عمله‭ ‬ومأواه؟‭ ‬أو‭ ‬مريض‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الحركة؟‭ ‬أو‭ ‬خريج‭ ‬أنهكته‭ ‬الظروف‭ ‬حتى‭ ‬انتهى‭ ‬به‭ ‬الحال‭ ‬إلى‭ ‬الشارع؟
هؤلاء‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬تبحث‭ ‬عنهم،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬يبحثوا‭ ‬هم‭ ‬عن‭ ‬المنظومة‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬حالة‭ ‬مهند‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬لفكرة‭ ‬أكثر‭ ‬شمولًا‭ ‬داخل‭ ‬جامعة‭ ‬الأزهر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬آلية‭ ‬دائمة‭ ‬لرصد‭ ‬الحالات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بين‭ ‬الطلاب‭ ‬والخريجين‭ ‬والعاملين،‭ ‬والتدخل‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬علاجاً‭ ‬أو‭ ‬دعماً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬أو‭ ‬نفسياً‭.‬
فجامعة‭ ‬الأزهر‭ ‬ليست‭ ‬مستشفى‭ ‬فقط،‭ ‬ورسالتها‭ ‬ليست‭ ‬علاج‭ ‬الجسد‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬رعاية‭ ‬الإنسان‭ ‬وصون‭ ‬كرامته‭.‬
لقد‭ ‬أنقذت‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬مهند‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬واليأس،‭ ‬وربما‭ ‬أعادت‭ ‬إليه‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحمل‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭.‬
لكن‭ ‬الأمل‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قصة‭ ‬مهند‭ ‬هي‭ ‬آخر‭ ‬قصة‭ ‬تحتاج‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الرعاية‭.‬
فلنصفق‭ ‬لمن‭ ‬تحرك،‭ ‬ولنساند‭ ‬من‭ ‬بادر،‭ ‬لكن‭ ‬لنسأل‭ ‬أيضًا‭: ‬كم‭ ‬مهندًا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬ينتظر‭ ‬من‭ ‬يراه؟
فالمريض‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يحتاج‭ {‬ترند‭} ‬حتى‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬العلاج،‭ ‬والإنسان‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬صوته‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسمعه‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬