رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
قصة {مهند} التي استجابت لها جامعة الأزهر، وقررت وضعه تحت الرعاية الطبية الكاملة، ليست مجرد واقعة إنسانية عابرة، وإنما جرس إنذار يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا، ليس فقط تقديرًا للموقف الإنساني الذي اتخذته الجامعة، وإنما بحث عن إجابة لسؤال أكثر أهمية: ماذا لو لم تنتشر قصة مهند على وسائل التواصل الاجتماعى؟
مهند، أحد خريجي جامعة الأزهر، وجد نفسه بلا مأوى، يفترش أحد الشوارع، ويعانى من كسر قديم في ساقه، مصحوب بعدوى والتهاب والأشد ألمًا من إصابته الجسدية كانت حالته النفسية، بعدما وصل به اليأس إلى أن يقول: «أنا مستنى موتى.. الموت مش شر.. ده أنا هروح عند الرحيم».
كلمات موجعة تكشف إلى أي مدى يمكن أن يصل الإنسان عندما يشعر بأنه وحيد، وأن أبواب الحياة أغلقت أمامه.
لكن ما حدث بعد ذلك يستحق التحية. فقد تحركت جامعة الأزهر سريعًا، ووجّه الدكتور محمود صديق، رئيس الجامعة، بتوفير الرعاية الطبية الكاملة لمهند، واستقبله مستشفى سيد جلال الجامعي، وأجريت له الفحوصات الطبية، وبدأ العلاج بالمضادات الحيوية، مع الإعداد لعرض حالته على الاجتماع الإكلينيكى لاتخاذ القرار الجراحي المناسب، إلى جانب الاهتمام بحالته النفسية والإنسانية.
هذه استجابة تليق برسالة جامعة الأزهر، وتؤكد أن الجامعة لا تنظر إلى أبنائها باعتبارهم مجرد أرقام في سجلات الطلاب والخريجين، وإنما تتعامل معهم باعتبارهم جزءًا من رسالتها الإنسانية والمجتمعية.
لكن الإشادة بالاستجابة لا تمنعنا من طرح السؤال الأصعب.. ماذا لو دخل مهند المستشفى بمفرده، وماذا لو لم يجد شخصا ينقل استغاثته وماذا لو لم تُلتقط له صورة، ولم تُكتب قصته، ولم تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل كان سيحصل على الرعاية نفسها؟ وهل كانت قصته ستصل إلى المسئولين بالسرعة نفسها؟ لا أطرح هذه الأسئلة ليست اتهاما لأحد ولا أشكك في مستشفى سيد جلال أو أطبائه أو جامعة الأزهر، وإنما أطرحها باعتبارها أسئلة ضرورية يجب أن تقودنا إلى تطوير آليات العمل، واخص بها وزارة التضامن الاجتماعي لاكتشاف الحالات الإنسانية قبل أن تتحول إلى قصص وحكايات تتداولها مواقع التواصل.
فليس كل »مهند« يمتلك هاتفًا، وليس كل محتاج يعرف كيف يستغيث، وليس كل مريض يجد من يصور معاناته وينشرها. هناك أناس يتألمون فى صمت، وهناك مرضى لا يعرفون حقوقهم، وهناك من لا يملكون حتى القدرة على الوصول إلى باب المستشفى. وهنا تكمن القضية الحقيقية.
لا ينبغى أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة التى تفتح أبواب الرعاية أمام الإنسان. لقد أصبحت مواقع التواصل قوة هائلة في كشف المشكلات وتحريك المسئولين وتسليط الضوء على الحالات الإنسانية، وهذا أمر إيجابي في كثير من الأحيان، لكن الخطورة أن يصبح «الانتشار» شرطًا غير معلن للحصول على الاهتمام.
ماذا عن الذين لا تصل قصصهم إلى الناس؟
وماذا عن رجل مسن يعيش وحيدًا؟ أو شاب فقد عمله ومأواه؟ أو مريض لا يستطيع الحركة؟ أو خريج أنهكته الظروف حتى انتهى به الحال إلى الشارع؟
هؤلاء يحتاجون إلى منظومة تبحث عنهم، لا إلى انتظار أن يبحثوا هم عن المنظومة.
ومن هنا، فإن حالة مهند يمكن أن تتحول من مأساة إنسانية إلى بداية لفكرة أكثر شمولًا داخل جامعة الأزهر، من خلال إنشاء آلية دائمة لرصد الحالات الإنسانية بين الطلاب والخريجين والعاملين، والتدخل المبكر في الحالات التي تحتاج علاجاً أو دعماً اجتماعياً أو نفسياً.
فجامعة الأزهر ليست مستشفى فقط، ورسالتها ليست علاج الجسد وحده، وإنما تمتد إلى رعاية الإنسان وصون كرامته.
لقد أنقذت الاستجابة السريعة مهند من الاستسلام واليأس، وربما أعادت إليه الأمل في أن الحياة لا تزال تحمل له فرصة جديدة.
لكن الأمل الأكبر أن تكون قصة مهند هي آخر قصة تحتاج وسائل التواصل الاجتماعي حتى تصل إلى الرعاية.
فلنصفق لمن تحرك، ولنساند من بادر، لكن لنسأل أيضًا: كم مهندًا آخر لا يزال في الشارع، ينتظر من يراه؟
فالمريض لا ينبغي أن يحتاج {ترند} حتى يحصل على حقه في العلاج، والإنسان لا ينبغي أن يرفع صوته إلى السماء قبل أن يسمعه من حوله على الأرض.